لم اقرأ تعقيبا - ولا ترحيبا ولا حتى اختلافا - من كتاب كثيرين على ماقاله الرئيس.. سواء من البارزين أو حتى العاديين أو المتوسطين.. وأيضا من يملأون فضاء التواصل الاجتماعي.. بالبوست والتويتة وحتى البودكاست الذي أصبح موضة هذه الأيام! لم أقرأ لأحد من هؤلاء في هذا الموضوع رغم أهميته وخطورته الشديدة، فيما عدا مقالتين كتب أولاهما الأستاذ احمد الجمال والثانية الشاعر أحمد عبدالمعطي حجازي!
قد أكون مخطئا.. فلم أتابع بالقدر الكافي.. أقول ربما.. لكن الحقيقة أن كلاما كالذي قاله الرئيس كان يستحق أن "أتعثر" في قراءة تعقيبات عليه وتحليلات له بالجملة.. كلما أوغلت في القراءة والمتابعة.. وهو تعثر لم يحدث! لا أعرف لذلك سببا، حتى أنني أفرطت في التشاؤم.. وتساءلت: هل هي بيروقراطية الدولة التي استطاعت إجهاض الفكرة قبل أن تبدأ، وفقا لما ذكره الكاتب أحمد الجمّال (كتب بتاريخ ٩ يوليو الماضي في الأهرام مقالا من جزأين، تحت عنوان تنفيذ ماحدده الرئيس) يحذر فيه من أن "يتعمد البعض فيها (يقصد السلطة التنفيذية) إجهاض مضمون ما حدده رئيس الجمهورية"، ويتكرر ماجربناه من قبل عندما تمكنت بيروقراطية الدولة من إجهاض المضامين التي طرحها الزعيم جمال عبد الناصر حول التقدم والعدل الاجتماعي وإذابة الفوارق بين الطبقات ". هل اعتبره الناس مجرد "كلام ابن عم حديت "؟ أم أن نبوءة الجمال في هذا الصدد تحققت ومبكرا جدا؟! أحمد عبد المعطي حجازي كتب في الأهرام بتاريخ ١٢ أغسطس الجاري يقول: لقد تحدث الرئيس عن توجيهات محددة للحكومة أولها " فتح المجال أمام الحوار الإعلامي الموضوعي الذي يشمل الرأي والرأي الآخر لإثراء النقاش وبناء الوعي في إطار من الاحترام والتفاهم". والتوجيه الثاني والمكمل - وفقا لحجازي - هو العمل على تنشيط الحياة الحزبية والانتهاء من الاستعدادات اللازمة لإجراء انتخابات المجالس المحلية بما يرسخ المشاركة الشعبية".
من اللافت للنظر أن هذه المطالب هي على رأس قائمة الأمنيات التي يرجوها كل محب لوطنٍ، ينشد الحرية والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان.. وطن يكافح الظلم والاستبداد وينشد العدل والمساواة والتقدم.
من اللافت للنظر أن الأحزاب والحركة المدنية ومؤسسات المجتمع المدني، وحتى السلطة التنفيذية نفسها ورئيسها الذي هو معني بخطاب الرئيس بالدرجة الأولى كونه رئيسا للوزراء، وكذا الوزارة المعنية (الدولة للإعلام) التي لاتفوت شاردة ولا واردة إلا وتعقب عليها، من الدفاع عن وزيرة ثقافة متهمة بالسرقة إلى إبراز الفروق بين الخبز الفرنساوي والعيش المصري (!!) كل هولاء لم يعقبوا على الخطاب الرئاسي، ويعتبرونه مرحلة فارقة بين مرحلتين؛ التقييد الإعلامي والجمود الحزبي إلى الانفتاح الإعلامي والنشاط السياسي! هل تواطأ هؤلاء جميعا على الفكرة، وعلى ماقيل، حتى أنهم وأدوه في المهد؟
- عيسي والمناوي والديهي وعمرو ولميس وموسي وخير، لم يتحدث أحد مهم لا بخير ولا بشر عن ما طرحه الرئيس.. الذي تحدث مثمنا ما طرحه الرئيس هو خالد البلشي (نقيب الصحفيين المصريين)، الذي اشاد بالـدعوة لإطلاق حوار إعلامي موضوعي وتنظيم مؤتمر سنوي للإعلام في 3 ديسمبر من كل عام.
أما الأحزاب السياسية فلم تحرك ساكنا، وفيما عدا ممثلي "حزب الحرية المصري" لم يتحدث أحد!
لم نقرأ بيانا من حزب عريق كالوفد، أو حزب كالتجمع وهما معنيان أساساً بالانفتاح الإعلامي والديمقراطي بحكم تراثهما وتاريخهما الطويل في الدفاع عن الحرية والديمقراطية وحرية الممارسة السياسية، للترحيب بما قاله الرئيس؟! كيف يحدث ذلك؟ كيف وكلاهما يعاني سكرات الاندثار كالوفد الذي لم يعد لديه خطاب سياسي، متماسك أو حتى مفكك.. والتجمع الذي يعاني غيبوبة اللحظات الأخيرة، كونه يفتقد إلى الأكسيجين الذي يصل إلى الدماغ، وهو محاصر من كل الجهات: عمريا بحكم كون قياداته التاريخية - خاصة من بقى منها على قيد الحياة - أصبحت عاجزة عن المواصلة والمساهمة في النشاط الحزبي والسياسي.. ومحاصر أيضاً بتزايد نزعة اتخاذ القرارات الفردية، وتغييب الجينات الديمقراطية الأساسية اللازمة لحزب تمثل التعددية بالنسبة له رئة يتنفس منها نحو استكمال مسارات التقدم، ومحاصر أيضاً بفقر إمكانياته المادية، التي تحرمه من إيجاد نوافذ إعلامية تعبر عنه وتصله بالجماهير، وأيضاً تحرمه من استقراره في مقراته التاريخية، حتى أنه مهدد بالطرد من مقره الرئيس في شارع كريم الدولة بوسط القاهرة، لأنه سيعجز عن دفع إيجاره الشهري عندما ينتهي عقد إيجاره قريبا، والغريب ان التجمع لا يحرك ساكنا على هذا الصعيد.. والسؤال هو: ماذا كان ممكنا أن يحدث لو أن خالد محيي الدين مازال على قيد الحياة؟ ماذا لو لم يمت رفعت السعيد بكل علاقاته بالدولة؟
- تهالك منظومة التجمع الإعلامية بعد الديمقراطية، ومعاناة خطابه السياسي - وليس وحده بل ومعه حزب الوفد - من الوصول إلى أي جماهير قديمة او جديدة.. وتآكل الحزبان إلى حد أنهما لم يفكّرا في العمل على توثيق كلام الرئيس، لا بعدد خاص من صحيفة، أو إصدار كتيب خاص، أو بمؤتمر صحفي على الأقل، أو عبر تصريحات تليفزيونية، لتكون حجة يتذرعان بها أمام الرأي العام، أو حتى تكون حجة على ماقيل.. كل هذا يكشف عن غياب البوصلة ونضوب الأفكار السياسية وغياب الرشد السياسي في الحزبين التاريخيين، وربما هذا كله نتاج ميراثهما لبيروقراطية الدولة كما أشار الجمال، ولديكتاورية الحزب الوطني، كبير الأحزاب الذي علمها السحر قبل أن ينقلب عليه ويرميه في اليّم.. ولكن من غرائب الأمور أن رئيس الحزب الذي فاته كل هذا، راح يعلق على الفكرة عندما نشر الجمال مقاله على صفحته على فيس بوك! دهشت ومازلت، فهذه فكرة في صميم حياة حزب التجمع الذي يبدو أنه رغم وفاته الإكلينيكية لا يريد حتى من الرئيس أن يمنحه قبلة الحياة!
- عدا الجمال وحجازي والبلشي وحزب الحرية لم يتحدث أحد عن كلام الرئيس الخطير، وكأنهم لايصدقون أنه قائله؟! أليس هذا أمرا غريبا؟!
----------------------------------
بقلم: محمود الشربيني






